الشيخ السبحاني

289

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

إرادته سبحانه لأفعال الإنسان ، أو أنّ أفعاله خارجة عن إطار الإرادة الإلهية . فالمعتزلة على الثاني - حفظا لاختيار الإنسان وتجنبا عن القول بالجبر - والأشاعرة على الأول لكن بالالتزام بتعلق إرادته سبحانه على أفعال البشر من غير واسطة كما هو الحال في غير الأفعال . وأمّا الإمامية فقد اختلفت آراؤهم ، فيظهر من الشيخ الصدوق سعة إرادته سبحانه لأفعال العباد ، لكن بوجه مجمل لا يعلم كنه مراده منه . وذهب الشيخ المفيد إلى خلافه وقال : « إنّ اللّه تعالى لا يريد إلّا ما حسن من الأفعال ولا يشاء إلا الجميل من الأعمال ولا يريد القبائح ولا يشاء الفواحش ، تعالى اللّه عمّا يقول المبطلون علوا كبيرا . قال اللّه تعالى : وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ وقال : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ . . . » إلى أن قال : « فلو كان سبحانه مريدا لمعاصيهم لنافى ذلك التخفيف واليسر لهم ، فكتاب اللّه شاهد على ضد ما ذهب إليه الضالون المفترون على اللّه الكذب » « 1 » . وقد صارت هذه المسألة مائزة بين الأشاعرة والمعتزلة واتّخذ كل من الفريقين نتيجة رأيه شعارا لمنهجه . ولأجل ذلك لما دخل القاضي عبد الجبار المعتزلي ( ت 415 ) دار الصاحب بن عباد فرأى فيه أبا إسحاق الأسفرائيني الأشعري ( ت 413 ) ، قال القاضي : « سبحان من تنزّه عن الفحشاء » ( يريد بذلك أنّ القول بسعة إرادته لأفعال الإنسان يستلزم أنّه أراد الفحشاء ) . فأجابه أبو إسحاق بقوله : « سبحان من لا يجري في ملكه إلّا ما يشاء » ( مريدا بذلك أنّ القول بوقوع أفعال العباد بلا مشيئة منه سبحانه يستلزم القول بوجود أشياء في سلطانه ومملكته خارجة عن مشيئته ) « 2 » . وعلى كل تقدير ، فالحق تعلّق إرادته بكل ما يوجد في الكون من دون فرق بين فعل الإنسان وغيره ، ولا يقع في ملكه إلّا ما يشاء ولكن لا على

--> ( 1 ) تصحيح الاعتقاد ص 16 بتلخيص . ( 2 ) شرح المقاصد ، ج 2 ، ص 145 .